بقلم: فهد البريكان — الشريك المؤسس، مجموعة الإتقان القانونية
لماذا كان دخول الشركات الأجنبية إلى الكويت صعباً؟
لسنوات طويلة كانت الكويت من أكثر أسواق الخليج انغلاقاً أمام الاستثمار الأجنبي، لا لضعف في فرصها، بل بحكم قاعدة راسخة في المادة 23 من قانون التجارة الكويتي مؤداها أن الأجنبي لا يمارس التجارة في الكويت إلا بشريك كويتي يملك ما لا يقل عن 51% من رأس المال، فلا تزيد حصة الأجنبي عن 49%، وكل نشاط تجاري يزاوله الأجنبي خارج هذا الإطار، كأن يعمل منفرداً، يقع باطلاً. وأغلقت المادة 24 من القانون ذاته الباب الآخر، إذ حظرت على الشركات الأجنبية إنشاء فروع لها في الكويت، ولم تسمح لها بالعمل إلا من خلال وكيل محلي كويتي.
وكانت النتيجة العملية أن الشركة الأجنبية الراغبة في العمل بالكويت وجدت نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما شراكة تتنازل فيها عن أغلبية رأس المال، وإما وكيل محلي يتوسط بينها وبين السوق ويتقاضى عمولته. غير أن هذه الصورة تغيرت جذرياً، فقد تعاقبت خلال العقد الأخير تشريعات فتحت للشركة الأجنبية ثلاثة طرق لتأسيس حضور تجاري في الكويت بملكية أجنبية كاملة ودون وكيل محلي. ويعرض هذا المقال تلك الطرق بلغة عملية موجهة للمستثمر، ثم يبين كيف يختار من بينها الطريق الملائم لمشروعه.
الطريق الأول: الفرع المرخص من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر (KDIPA)
أول الطرق وأكثرها استقراراً هو الترخيص عبر هيئة تشجيع الاستثمار المباشر المنشأة بالقانون رقم 116 لسنة 2013، وهي الجهة الحكومية التي أنشئت خصيصاً لجذب الاستثمار الأجنبي إلى دولة الكويت. فمن خلال الهيئة تستطيع الشركة الأجنبية إنشاء فرع لها في الكويت مملوك لها بنسبة 100%، دون شريك كويتي ودون وكيل محلي، وتحصل إلى جانب ذلك على حزمة حوافز لا يوفرها أي طريق آخر: إعفاءات ضريبية لمدد طويلة، وإعفاءات جمركية على المعدات والمواد اللازمة للمشروع، وتسهيلات في تخصيص الأراضي والعقارات، ومنح القائمين على إدارة الفرع إقامة طويلة الأجل في دولة الكويت.
في المقابل، ليس هذا الطريق مفتوحاً لكل نشاط ولا لكل شركة، فالهيئة تصدر ترخيصها وفق شروط ومعايير تضعها، تنظر فيها إلى طبيعة النشاط ومدى إسهامه في نقل التقنية وتوفير فرص العمل وتنويع الاقتصاد الوطني، وتستبعد أنشطة معينة، وتستلزم إجراءاتها إعداد ملف متكامل ومتابعة دورية. ولهذا فهو الطريق الأنسب للشركات ذات المشاريع الاستثمارية الحقيقية التي تستحق الحوافز وتستوفي متطلباتها.
دور مجموعة الإتقان القانونية
مجموعة الإتقان القانونية من الجهات المعتمدة لدى هيئة تشجيع الاستثمار المباشر في دولة الكويت لتقديم الطلبات ومتابعتها نيابة عن المستثمرين، وتقدم خدمات الاستشارات الاستراتيجية وهيكلة دخول الشركات الأجنبية إلى السوق الكويتي ومتابعة إجراءات الترخيص حتى صدوره.
قائمة المكاتب والشركات الاستشارية المعتمدة على موقع هيئة تشجيع الاستثمار المباشر
الطريق الثاني: الدخول عبر شركة خليجية
الطريق الثاني يقوم على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون، التي وافقت عليها الكويت بالقانون رقم 5 لسنة 2003، وتقضي بمعاملة الشركات الخليجية في أي دولة عضو معاملة الشركات الوطنية. فالشركة المؤسسة في أي دولة خليجية تستطيع فتح فرع لها في الكويت بملكية كاملة للشركة الأم عبر وزارة التجارة والصناعة مباشرة، بإجراءات معروفة ومستقرة منذ سنوات. ومن هنا تبرز أهمية هذا الطريق للمستثمر الأجنبي: فإذا كان للشركة الأجنبية شركة قائمة أو فرع في إحدى دول الخليج، أمكنها الدخول إلى الكويت من خلاله حتى لو كان شركاؤها من غير الخليجيين، ما دامت الشركة الأم لديها رخصة سارية في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي.
ويستمد هذا الطريق قوة إضافية من التعديل التشريعي الأخير الذي سيرد في الطريق الثالث، إذ لم يعد ثمة معنى لاشتراط أن تكون الشركة الخليجية مملوكة بالكامل لخليجيين بعد أن أجاز القانون للشركة الأجنبية ذاتها إنشاء فرع في الكويت دون وكيل محلي. ويبقى على المستثمر في كل الأحوال مراعاة القوانين التي تنظم نشاطه المحدد، والشروط الخاصة ببعض الأنشطة التجارية والمهنية والصناعية، واختصاص الجهات الرقابية المعنية بها.
الطريق الثالث: الفرع المباشر عبر وزارة التجارة بموجب المادة 24 المعدلة
الطريق الثالث هو الأحدث والأوسع، وقد فتحه القانون رقم 1 لسنة 2024 الذي استبدل نص المادة 24 من قانون التجارة، فبعد أن كانت هذه المادة تحظر على الشركات الأجنبية إنشاء فروع في الكويت وتلزمها بالعمل عبر وكيل محلي، أصبح نصها الجديد يقرر صراحة حق الشركة الأجنبية في إنشاء فرع لها في الكويت ومباشرة عملها فيها دون الحاجة لوكيل محلي، استثناءً من قاعدة الشريك الكويتي الواردة في المادة 23. وأوضحت المذكرة الإيضاحية للقانون أن الغاية منه مسايرة توجه الدول إلى فتح اقتصادها أمام جميع المستثمرين، وإلغاء شرط الوكيل المحلي الذي كان يشكل عبئاً على الشركات الأجنبية وعلى الدولة معاً.
ولم يقف التعديل عند حدود قانون التجارة، بل امتد إلى المادة 31 من قانون المناقصات العامة رقم 49 لسنة 2016، فأعفى الشركة الأجنبية المتقدمة بعطاء في المناقصات الحكومية من شرط القيد في السجل التجاري الكويتي ومن قاعدة الشريك الكويتي، بما يفتح أمامها باب التعاقد مع الجهات الحكومية مباشرة دون وسيط.
على أن هذا الطريق، رغم صراحة النص، لا يزال حتى سبتمبر 2026 في انتظار التنظيم الإداري الذي يترجمه إلى إجراءات، إذ لم تصدر وزارة التجارة والصناعة بعد آلية لقبول طلبات إنشاء فروع الشركات الأجنبية بصورة مستقلة عن هيئة تشجيع الاستثمار المباشر. ومن الناحية القانونية، تستطيع الشركة الأجنبية التي ترغب في الاستفادة من المادة 24 اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال امتناع الجهة الإدارية عن التعامل مع طلبها استناداً إلى عدم وجود إجراءات تنفيذية، ويخضع ذلك بطبيعة الحال لظروف كل طلب وطبيعة النشاط المطلوب ممارسته.
ما الذي لم يتغير: حدود النص الجديد
ينبغي للمستثمر ألا يفهم من التعديل أن كل شركة أجنبية أصبحت تملك حقاً مطلقاً في مزاولة أي نشاط تختاره في الكويت. فالذي ألغته المادة 24 المعدلة هو قيد الجنسية وقيد الوكيل المحلي تحديداً، أما القوانين المنظمة للأنشطة، واختصاص الجهات الرقابية كبنك الكويت المركزي وهيئة أسواق المال وغيرهما، والشروط الخاصة لبعض النشاطات التجارية والمهنية والصناعية، فكلها باقية على حالها، ويخضع لها الفرع الأجنبي كما يخضع لها أي كيان كويتي.
كيف يختار المستثمر الطريق المناسب؟
الاختيار بين الطرق الثلاثة ليس مسألة قانونية مجردة، بل قرار استراتيجي يحسمه المستثمر بالإجابة عن ثلاثة أسئلة. السؤال الأول: هل يحتاج المشروع إلى الحوافز؟ فإذا كان استثماراً رأسمالياً ذا حجم يستحق الإعفاء الضريبي والجمركي وتخصيص الأراضي، فطريق الهيئة هو الأجدى وإن طالت إجراءاته. السؤال الثاني: هل للشركة وجود قائم في الخليج؟ فإن كان لها شركة أو فرع برخصة سارية في دولة خليجية، فالدخول عبره هو الأسرع والأكثر استقراراً من حيث الإجراءات، خاصة للأنشطة التجارية والخدمية التي لا تحتاج إلى حوافز. السؤال الثالث: هل يمكن انتظار تفعيل الطريق المباشر؟ فالمادة 24 المعدلة تقرر حقاً واضحاً، ومن يسلك هذا الطريق اليوم يحتاج إلى دعم قانوني لمتابعة طلبه أمام الوزارة، وقد يكون هو الطريق الأمثل لمن لا يرغب في التقيد بشروط الهيئة ولا يملك كياناً خليجياً.
خاتمة
انتقلت الكويت خلال سنوات قليلة من سوق لا يدخلها الأجنبي إلا بشريك أو وكيل، إلى سوق تعرض عليه ثلاثة طرق للدخول بملكية أجنبية كاملة. والفارق بين نجاح الدخول وتعثره لا يكمن في النصوص، بل في اختيار الطريق الملائم لطبيعة النشاط وحجم الاستثمار والجهة الرقابية المختصة، وفي الإعداد المحكم للملف قبل تقديمه. وهذا هو الدور الذي تضطلع به مجموعة الإتقان القانونية مع عملائها من الشركات الأجنبية الراغبة في دخول السوق الكويتي.
للتواصل: info@alitqanlg.com — صفحة التواصل
