قد يكون النشاط قائماً منذ سنوات، راسخَ الاسم، ممتدَّ العلاقات، له عملاؤه وعقوده وموظفوه وعلامته التجارية؛ غير أن طول عمره لا يعني أن هيكله القانوني قادر على الاستمرار بعد التاسع من فبراير 2027. ففي هذا التاريخ يدخل حيز النفاذ المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 في شأن مكافحة التستر التجاري، المنشور في الجريدة الرسمية في 9 أغسطس 2026، بعد مهلة ستة أشهر حددتها مادته الرابعة عشرة.

لم يأتِ هذا التشريع ليكشف ظاهرة مجهولة، بل ليضع لها حداً؛ فالترتيبات التي عاشت طويلاً في الظل — ترخيصٌ باسم شخص، وإدارةٌ وأرباحٌ لآخر — انتقلت اليوم إلى دائرة التجريم الصريح. ومن ثمّ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صاحب النشاط ليس: ما التستر التجاري؟ بل: هل يطابق الواقعُ الاقتصادي لنشاطي وضعَه القانوني المسجل؟ فإن لم يكن، فكيف أعيد بناءه قبل أن يغدو استمراره مسؤوليةً جزائية؟

ما التستر التجاري في القانون الكويتي الجديد؟

عرّفت المادة الأولى التستر التجاري بأنه تمكين أي شخص، طبيعياً كان أو اعتبارياً، من ممارسة نشاط اقتصادي يُحظر عليه ممارسته، سواء لحسابه الخاص أو بالشراكة مع الغير، أو الالتفاف على نسب الملكية المقررة قانوناً للأجانب. ثم مدّت المادة الثانية نطاق الحظر ليشمل كل صور التمكين: بالاسم التجاري، أو الترخيص، أو الموافقة، أو السجل التجاري، «أو أي وسيلة أخرى».

فالقانون لا يقف عند ظاهر الأوراق، بل ينفذ إلى حقيقة النشاط: من يملكه؟ ومن يديره؟ ومن يجني ثمرته ويتحمل تبعته؟ ولا يقتصر ذلك على العلاقة بين كويتي وأجنبي؛ فالتمكين المحظور قد يقع بين مواطنين، ولو كانوا أقارب، متى قُيّد الترخيص باسم أحدهم وزاول النشاطَ لحسابه من يُحظر عليه مزاولته.

وقد أحاط المشرّع هذا الحظر بسياج عقابي صارم: الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة بين عشرة آلاف ومئة ألف دينار أو ما يعادل الأرباح المتحصلة أيهما أكبر، تتعدد بتعدد المخالفين (المادة 3)، ومساءلة من يتولى الإدارة الفعلية، مع مسؤولية الشركة بالتضامن (المادة 5)، ومصادرة الأموال والأرباح، وغلق المنشأة، وإبعاد الأجنبي (المادة 6)، ومضاعفة العقوبة عند العود (المادة 7). ثم جعل للمبلّغ مكافأة لا تتجاوز 10% من الغرامات المحصلة (المادة 9)، فلم يعد الترتيب الذي لا يعلمه إلا طرفاه سرّاً مأموناً.

ليس كل شريك أجنبي تستراً

لا يجرّم القانون حضور الأجنبي في النشاط، وإنما يجرّم الصورية. فالشراكة التي يملك فيها الشريك الكويتي حصته حقّاً، ويقتسم فيها الشركاء الربح والخسارة وفق ما هو مسجل، شراكةٌ مشروعة مهما عظُم دور الشريك الأجنبي فيها. وقد أوضحت وزارة التجارة والصناعة أن تعيين صاحب الترخيص مديراً بأجر ثابت لا يُعد تستراً، ما دام صاحب الترخيص هو المستفيد الفعلي الذي يتحمل الخسارة ويملك القرار.

أما الشبهة فتبدأ حين يفترق الظاهر عن الحقيقة: ترخيص يُؤجَّر بمبلغ شهري ثابت، أو شريك مسجل بنسبة 51% يتقاضى «إيجاراً» لا ربحاً، أو أرباح تنساب بانتظام إلى من لا صفة له في السجل التجاري، أو صاحب ترخيص لا يملك من قرار نشاطه شيئاً. والحدّ بين الصورتين ليس دائماً جليّاً؛ فكثير من الشراكات بدأت حقيقية ثم انزلقت بحكم العادة إلى الصورية، وعند هذه النقطة تحديداً يبدأ التشخيص القانوني.

هل يُحاسَب صاحب النشاط على ما مضى؟

الأصل الدستوري المقرر في المادة 32 أنه «لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها»، فالعقوبات التي جاء بها المرسوم بقانون لا تنسحب على ما وقع قبل 9 فبراير 2027. غير أن التستر بطبيعته جريمة مستمرة، يتجدد وقوعها ما بقي الوضع المخالف قائماً؛ فالنشاط الذي يعبر ذلك التاريخ على حاله يقع تحت طائلة القانون الجديد كاملةً، ولا يشفع له أنه بدأ قبله.

ومؤدى ذلك أن الأشهر المتبقية ليست مهلة انتظار، بل هي المساحة التي يمكن فيها تصحيح الوضع بمنأى عن المساءلة الجزائية التي استحدثها هذا القانون.

هل الإغلاق هو الحل؟

يظن كثيرون أن لا مخرج إلا إلغاء الترخيص أو تصفية الشركة، بما يعنيه ذلك من ضياع ما بُني في سنوات. غير أن القانون ذاته يدلّ على طريق آخر: فالمادة الثامنة، حين أجازت التصالح قبل تحريك الدعوى أو أثناء نظرها مقابل مبلغ لا يقل عن نصف الحد الأقصى للغرامة، اشترطت لقبوله «إزالة المخالفة وتعديل الوضع القانوني». فغاية المشرّع إذن ليست إغلاق الأنشطة، بل ردّها إلى جادة المشروعية. وإذا كان تصحيح الوضع شرطاً للتصالح بعد وقوع الجريمة، فإن من يبادر إليه قبل نفاذ القانون يبلغ الغاية ذاتها دون دعوى ولا مبلغ تصالح.

ومن هنا تبدأ المسألة من دراسة الهيكل القائم، لا من استخراج ترخيص جديد.

مسارات تصحيح أوضاع التستر التجاري

تختلف المعالجة باختلاف النشاط وحقيقة ملكيته واشتراطاته التنظيمية، وتدور الحلول في الغالب حول أربعة مسارات، لكلٍّ منها منطقه وكلفته وتوقيته.

المسار الأول: تصحيح هيكل الشركة القائمة

إذا اتجهت إرادة الطرفين إلى الاستمرار بشراكة حقيقية، أمكن إعادة ترتيب الشركة بحيث تنطق النسب المسجلة بالملكية الفعلية، ويجري توزيع الربح والإدارة وفقها، مع إنهاء كل اتفاق جانبي يناقض ما في السجل. غير أن حصة الشريك الأجنبي تظل هنا في حدود 49% وفق المادة 23 من قانون التجارة؛ فمن كانت غايته الملكية الكاملة، فطريقه فيما يلي.

المسار الثاني: الترخيص من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر

تتيح الهيئة، المنشأة بالقانون رقم 116 لسنة 2013، للمستثمر الأجنبي ملكيةً تصل إلى 100% في ثلاث صيغ: شركة كويتية مملوكة له بالكامل، أو فرع لشركته الأجنبية، أو استحواذ شركته الأجنبية على شركة كويتية قائمة، وهي الصيغة الأقرب إلى حاجة من يريد تصحيح وضعه دون أن يفقد كيانه. وقد فصّل الزميل الأستاذ فهد البريكان طرق دخول الشركات الأجنبية إلى السوق الكويتي في مقاله «دخول الشركات الأجنبية إلى السوق الكويتي: 3 طرق لتأسيس حضور تجاري بملكية أجنبية 100%».

غير أن هذا المسار لا يُفتح بطلب عابر. فالهيئة تزن كل طلب بمعايير تتصل بطبيعة النشاط وقيمته المضافة ونقل المعرفة وتوظيف الكفاءات الوطنية، وتستلزم ملفاً استثمارياً متكاملاً — خطة عمل وهيكلاً مالياً ووثائق مصدّقة من بلد المستثمر — ثم متابعةً حثيثة لملاحظاتها حتى صدور الترخيص، تعقبها مرحلة لا تقل دقةً في تأسيس الكيان وقيده واستخراج تراخيصه. ومن موقعنا ضمن المكاتب المعتمدة لدى الهيئة، نعلم أن أكثر ما يُبطئ هذه الطلبات ليس ضعف المشروع، بل قصور ملفه عن مخاطبة معاييرها بلغتها.

المسار الثالث: الشركة الخليجية أساساً للهيكل الكويتي

تقضي الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون، التي وافقت عليها الكويت بالقانون رقم 5 لسنة 2003، بمعاملة الشركات الخليجية معاملة الشركات الوطنية، والعبرة — وفق ما استقر عليه العمل لدى وزارة التجارة والصناعة في تعميماتها الأخيرة — بجنسية الشركة ذاتها لا بجنسية الشركاء فيها. وعلى هذا الأساس يُبنى الهيكل على مرحلتين: شركة في إحدى دول المجلس يملكها المستثمر، ثم شركة كويتية مملوكة لها بالكامل أو فرع لها في الكويت. وتكمن متانة هذا الهيكل في وضوحه: ملكيةٌ معلنة، ومستفيدٌ فعلي مُفصَح عنه في السجلات، وكيانٌ يستمد مشروعيته من الاتفاقية ذاتها.

على أن هذا المسار يعبر منظومتين قانونيتين لا واحدة: قانون دولة التأسيس بإجراءاته وأشكال كياناته، ثم القانون الكويتي بإجراءات القيد والترخيص؛ وبينهما سلسلة من التصديقات والإجراءات المتبادلة، إن اختلّ ترتيبها عاد الملف إلى نقطة البداية. ولذلك نتولّاه من طرفيه معاً عبر شركائنا في دول المجلس: تأسيس الشركة الخليجية هناك، ثم الكيان الكويتي التابع لها هنا، في مسار واحد متصل لا يتنقل فيه صاحب النشاط بين مكاتب ودول.

المسار الرابع: الاستحواذ على الشركة القائمة

بدلاً من تصفية الشركة وخسارة تراخيصها وعقودها واسمها في السوق، تستحوذ على حصصها شركةٌ يملكها المستثمر، خليجيةً كانت، أو أجنبيةً بترخيص من الهيئة على ما سبق بيانه؛ فيبقى الكيان بسجله وتراخيصه وعلاقاته، وقد صارت ملكيته المسجلة مرآةً لحقيقته. وهو أدقّ المسارات وأحوجها إلى الإحكام، إذ تتشابك فيه ثلاث دوائر في آن واحد:

  • دائرة الأطراف: تسوية خروج الشريك المسجل بتقييم عادل ومخالصة نهائية تطوي كل اتفاق جانبي سابق، حتى لا يتحول الاستحواذ إلى نزاع مؤجل.
  • دائرة الجهات الرقابية: الموافقات المسبقة التي تستلزمها بعض الصفقات بحسب حجمها وطبيعة سوقها، بما تتطلبه من بيانات ودراسات فنية تُعدّ وفق معايير محددة، إلى جانب موافقات الجهات المانحة لتراخيص النشاط ذاته.
  • دائرة التنفيذ: تعديل عقد الشركة وتوثيقه ونشره، ونقل الإدارة وصلاحيات التوقيع والحسابات، وتحديث بيانات المستفيد الفعلي لدى الجهات المعنية. ولأن الصفقة لا تستقيم إلا على تقييم عادل وقوائم مالية تنطق بالهيكل الجديد، نمضي فيها بتعاون وثيق مع مكاتب تدقيق محاسبي معتمدة في الكويت، فيسير الشقّان القانوني والمالي في مسار واحد.

وكل دائرة منها تُفضي إلى الأخرى؛ فتأخر موافقة واحدة يعطّل ما بعدها، وخطأ في ترتيبها قد يُبقي الوضع المخالف قائماً بعد الموعد. وما تعلّمناه من هذه الملفات أن نجاح الاستحواذ يُصنع قبل توقيع العقد لا بعده.

الأصول التي لا يذكرها عقد التأسيس

تصحيح الملكية وحده لا يكفي؛ فكثير من أصول النشاط مسجل باسم من يظهر في الأوراق لا باسم من يملكه حقّاً: العلامة التجارية والاسم التجاري، وعقود الإيجار، والحسابات المصرفية وصلاحيات التوقيع، والعمالة المسجلة على المنشأة، وعقود التوريد والعقود الحكومية.

والعلامة التجارية أثمن هذه الأصول وأكثرها عرضةً للإغفال. فقد تكون مسجلة باسم صاحب الترخيص الصوري، أو غير مسجلة أصلاً، فيكتشف المالك الحقيقي بعد التصحيح أن أثمن ما بناه ما زال في يد غيره، أو مكشوفاً لمن يسبقه إلى تسجيله. ونقل ملكية العلامة أو تسجيلها باسم الكيان الجديد إجراءٌ مستقل أمام إدارة العلامات التجارية بوزارة التجارة والصناعة، له مراحل فحصه ونشره؛ ولذا ندرجه — بصفتنا وكيل تسجيل معتمداً لدى تلك الإدارة — في خطة إعادة البناء ذاتها، لا في مرحلة لاحقة قد تأتي متأخرة.

فإعادة البناء التي تصحح الملكية وتترك هذه الأصول خارج الكيان الجديد، إعادة بناء ناقصة.

كيف تختار المسار المناسب؟

لا يُحسم الاختيار بين هذه المسارات بالنصوص وحدها، بل بما يريد صاحب النشاط الحفاظ عليه، وما يستطيع التخلي عنه:

المسار يناسب من ملكية الأجنبي الكيان القائم
تصحيح الشركة القائمة يقبل شراكة حقيقية مع شريك كويتي حتى 49% يستمر
هيئة تشجيع الاستثمار المباشر لديه مشروع يستوفي معايير الهيئة حتى 100% كيان جديد، أو يستمر بالاستحواذ
الشركة الخليجية وكيان كويتي تابع يريد منصة إقليمية في أكثر من سوق كاملة عبر الشركة الخليجية كيان جديد
الاستحواذ على الشركة القائمة يحتاج استمرار السجل والتراخيص والعقود كاملة عبر شركة خليجية أو أجنبية يستمر بمالك جديد

والوقت في ذلك كله عامل حاسم، فهذه إجراءات تتعاقب ولا تتزامن، وقد أشارت الوزارة نفسها إلى أن حل شركة الشخص الواحد وتصفيتها وحدهما قد يستغرقان قرابة شهرين. ولذلك يُحسب جدول التنفيذ رجوعاً من الموعد، لا بدءاً من اليوم.

خاتمة: أن يطابق الورقُ الحقيقة

لا يطلب القانون من صاحب النشاط أن يغلق أبوابه، بل أن يجعل ما في أوراقه صدىً لما في واقعه. والفارق بين إعادة بناء ناجحة وأخرى متعثرة لا يكمن في الأداة، بل في تشخيص الهيكل قبل اختيارها، ثم في تنفيذ متصل لا يترك أصلاً خارج الكيان الجديد، ولا طرفاً بلا تسوية.

وعلى هذا النهج نمضي في مجموعة الإتقان القانونية: نبدأ بدراسة الهيكل القائم، ثم نسير بالمسار المختار من أوله إلى آخره — من ملف الهيئة، إلى تأسيس الشركة الخليجية وتابعتها الكويتية، إلى الاستحواذ وموافقاته، إلى نقل العلامة وتسجيلها — في مسار واحد متصل الحلقات.

فالتاسع من فبراير 2027 ليس بعيداً، وما يُبنى اليوم على أساس سليم يُغني عن تصحيحه غداً تحت وطأة المساءلة.

للتواصل: info@alitqanlg.com — صفحة التواصل

هذا المقال للتوعية العامة، ولا يُغني عن دراسة كل حالة على حدة في ضوء وقائعها والقرارات التنفيذية التي تصدر تباعاً.

أسئلة شائعة حول قانون التستر التجاري في الكويت

متى يبدأ تطبيق قانون مكافحة التستر التجاري؟

يُعمل بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 اعتباراً من 9 فبراير 2027، أي بعد ستة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية في 9 أغسطس 2026.

هل يُعاقَب على التستر الذي بدأ قبل نفاذ القانون؟

لا تسري العقوبات على ما وقع قبل 9 فبراير 2027، لكن استمرار الوضع المخالف بعد هذا التاريخ يخضعه للقانون الجديد كاملاً، لأن التستر جريمة مستمرة.

ما عقوبة التستر التجاري في الكويت؟

الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة من 10,000 إلى 100,000 دينار أو ما يعادل الأرباح المتحصلة أيهما أكبر، مع المصادرة وغلق المنشأة وإبعاد الأجنبي، ومضاعفة العقوبة عند العود.

هل يمكن تصحيح وضع التستر دون إغلاق الشركة؟

نعم في كثير من الحالات، بإعادة هيكلة الشركة القائمة بما يطابق الملكية الفعلية، أو باستحواذ شركة خليجية أو أجنبية مملوكة للمستثمر عليها، بحسب طبيعة النشاط واشتراطاته.

هل يجوز للأجنبي تملك شركة في الكويت بنسبة 100%؟

نعم من خلال مسارات محددة، أبرزها ترخيص هيئة تشجيع الاستثمار المباشر، والهياكل القائمة على شركة خليجية، واستحواذ الشركة الأجنبية على شركة كويتية قائمة، ولكل منها شروطه ومتطلباته.